ابراهيم بن عمر البقاعي

563

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

217 ] الآيات على أن الأخبار الصحيحة وغيرها ناطقة بأن هذه الآية نزلت في الحديبية قبل أن ينفصل الأمر غاية الانفصال ويستقر ، روى البخاري في المغازي من صحيحه والبغوي من طريقه وهذا لفظه عن المروان والمسور بن مخرمة عن أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا : كاتب سهيل بن عمرو فكان مما اشترط على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه لا يأتيك أحد منا وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ، فكاتبه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك ، فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهل بن عمرو ، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلما ، وجاءت المؤمنات مهاجرات ، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهي عاتق فجاء أهلها إلى المدينة يسألون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم كما أنزل اللّه فيهن إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ « 1 » وقال البغوي : قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : أقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم معتمرا حتى إذا كان بالحديبية صالحه مشركو مكة على أن من أتاه من أهل مكة رده إليهم فجاءت سبيعة بنت الحارث مسلمة بعد الفراغ من الكتاب ، فأقبل زوجها ، وكان كافر ، فقال : يا محمد ! أردد عليّ امرأتي فإنك قد شرطت أن ترد علينا من أتاك منا ، وهذه طينة الكتاب لم تجف ، فأنزل اللّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ « 2 » وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : امتحانها أن تستحلف أنها ما هاجرت لبغض زوج ولا عشقا لرجل من المسلمين ولا رغبة عن أرض ولا لحدث أحدثته ولا التماس الدنيا وما خرجت إلا رغبة في الإسلام وحبا للّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فاستحلفها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك فحلفت فلم يردها وأعطى زوجها ما أنفق عليها ، فزوجها عمر رضي اللّه عنه ، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يرد من جاءه من الرجال ويحبس من جاءه من النساء بعد الامتحان ، ويعطي أزواجهن مهورهن ، ودعوى النسخ ليست بشيء إلا تؤول بأنه لما كان من العام الذي أريد به الخصوص أن بعض ما تناوله ظاهر اللفظ من الحكم مرفوع ، وذلك بأن اللّه لا يأمر بإخلاف الوعد فكيف بنقض العهد . ولما نهى عن رد المهاجرات إلى المشركين وعبر بالكفار تعميما ، علل ذلك بقوله مقدما حكمهن تشريفا لهن لهجرتهن : لا هُنَّ أي الأزواج حِلٌّ أي موضع حل ثابت لَهُمْ أي للكفار باستمتاع ولا غيره . ولما كان نفي الحل الثابت غير مانع من تجدد حل الرجال لهن ولو على تقدير من التقادير وفرض من الفروض ، قال معيدا لذلك ومؤكدا لقطع العلاقة من

--> ( 1 ) أخرجه البخاري 4180 و 4181 من حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة وانظر تخريجه في المتقدم . ( 2 ) ذكره الواحدي في أسبابه ص 317 و 318 عن ابن عباس بلا سند .